مصطفى لبيب عبد الغني
212
منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )
السيرة الفلسفية « * » قال أبو بكر محمد بن زكريا الرازي - ألحق الله روحه بالروح والراحة : - إنا ناسا من أهل النظر والتمييز والتحصيل لما رأونا نداخل الناس ونتصرف في وجوه من المعاش عابونا واستنقصونا وزعموا أنا حائدون عن سيرة الفلاسفة ولا سيما عن سيرة إمامنا سقراط المأثور ( عنه ) أنه كان لا يغشى الملوك ويستخف بهم إن هم غشّوه ولا يأكل لذيذ الطعام ولا يلبس فاخر الثبات ولا يبنى ولا يقتنى ولا ينسل ولا يأكل لحما ولا يشرب خمرا ولا يشهد لهوا بل كان مقتصرا على أكل الحشيش والالتفاف في كساء خلق والإيواء إلى جب في البريّة ، وأنه أيضا لم يكن يستعمل التقية للعوام ولا للسلطان بل يجبههم بما هو الحق عنده بأشرح الألفاظ وأبينها . وأما نحن فعلي خلاف ذلك . ثم قالوا في مساوىء هذه السيرة التي سار بها إمامنا سقراط إنها مخالفة لما عليه مجرى الطبع وقوام الحرث والنسل وداعية إلى خراب العالم وبوار الناس وهلاكهم . وسنجيبهم بما عندنا في ذلك إن شاء الله . فنقول : أما ما أثروه عن سقراط وذكروه فقد صدقوا وقد كان ذلك منه ، لكنهم جهلوا منه أشياء اخر وتركوا ذكره تعمدّا لوجوب موضع الحجة علينا وذلك أن هذه الأمور التي أثروها عن سقراط قد كانت منه في ابتداء أمره إلى مدة طويلة من عمره ، ثم انتقل عن كثير منها حتى إنه مات عن بنات وحارب العدوّ وحضر مجالس اللهو وأكل الطيبات إلا من اللحم وشرب يسير المكسر . وذلك معلوم مأثور عند من عنى باستقصاء أخبار هذا الرجل . وإنما كان منه ما كان في بدء أمره لشدة عجبه بالفلسفة وحبّه لها وحرصه على صرف زمان الشهوات والشغل باللذات إليها ومؤاتاة طبعه له على ذلك ، واستخفافه واسترذاله لمن لم يلاحظ الفلسفة بالعين التي تستحق أن تلاحظ بها وأثر ما هو أخس منها عليها .
--> ( * ) ( نقلا عن " كتاب السيرة الفلسفية " لأبى بكر الرازي ، بتحقيق كراوس ، پ ) .